أبي منصور الماتريدي
90
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل « 1 » : تركها ؛ وكله واحد . ثم يحتمل قوله : فَانْسَلَخَ مِنْها أي : كانوا قبلوها مرة ، ثم ردوها من بعد القبول . ويحتمل : أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها . وقوله - عزّ وجل - : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه الاختيار للضلال والميل إليه ؛ حيث قال : فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع . وقوله : فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ قيل : كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين . وقيل « 2 » : كان من الغاوين ، أي : صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج ، والغاوي : الضال . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها . يحتمل قوله : لَرَفَعْناهُ بِها : عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها ، أي : لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها . أو أن يقال : لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار ، لكنه إذ علم منه أنه يختار ذلك ويميل إليه ، شاء ألّا يعصمه ، ولا يوفقه ، فكيفما كان فهو على المعتزلة ؛ لأنه أخبر : [ أنه ] « 3 » لو شاء لرفعه بها ، وكان له مشيئة الرفع ، ثم أخبر أنه لم يرفع ، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين ؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس هو بأصلح في الدين ، وهم يقولون : [ إن ] « 4 » المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر ، لا مشيئة الاختيار ، لكن ما ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا يكون إيمانا ، فلا معنى لذلك ، ولا يكون ذلك رفعا ؛ فيبطل قولهم . وقوله - عزّ وجل - : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ . هو ما ذكرنا ؛ لما علم منه أنه يخلد إلى الأرض ويميل إليها ، لم يعصمه ولم يرفعه . والإخلاد إلى الأرض : قال الحسن « 5 » : سكن إلى الأرض .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 123 ) ( 15429 ) عن ابن عباس ، وبمعناه ذكره الرازي في تفسيره ( 15 / 45 ) . ( 2 ) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 422 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 126 ) ( 15442 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 267 ) ، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد .